العولمة والتراث الاسلامي

كتبهاwaad alameer ، في 29 كانون الأول 2005 الساعة: 14:07 م

العولمة والتراث الاسلامي< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

شغلت العولمة في السنوات العشر الاخيرة من الالفية الثانية مساحة واسعة من كتابات وابحاث وخطط ومطبوعات المهتمين بها ، واصبحت الان ونحن في بداية الالفية الثالثة موضة العصـر ، وشماعة يعلق عليها كل ما يحدث في العالم من مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية ، والرؤية كانت مختلفة حولها ، فالبعض يراها امتداد للاستعمار وهي شكل من اشكاله والبعض يعتبرها غزوا ثقافياً ، واخرون يصفونها باناقة على انها نظام دولي جديد وعلى نقيضهم يرى البعض انها اخطبوط رأسه الايديولوجيا السياسية واذرعه وسائل الاعلام واقتصاد السوق وشيوع الثقافة الواحدة .

والحقيقة ان العولمة تجمع بين الصفات التي ذكرت حولها ، ولسنا هنا بصدد الحديث عن معنى العولمة او تعريفها ، بل نحن نتحدث هنا عن شيء واقعي ، انها اعصار كبير يلفنا حوله بقوة فندخل الى باطنه (شئنا ام ابينا) والافضل في هكذا حال التشبث قدر الامكان بكل ما لدينا من قواعد راسخة تحمينا من الانجراف في تيار العولمة الذي لا نعلم اين سيلقي بنا .

والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي يمكن ان نتشبث به الان بحيث يحمينا من اخطارها ؟

انه التراث ، تراثنا العربي الاسلامي ، فهو اساس بقائنا ، وما حياتنا اليوم الا امتداد لذلك التراث العريق .

لا يخفى على الكثير ان الحضارة الاسلامية كانت ولا زالت مستهدفة من قبل الحضارات التي ظهرت بعدها لامتلاكها مقومات البقاء والاستمرار والتأثير ، وكما يقول (صموئيل هنتغتون) في كتابه (صدام الحضارات) ، ان الحضارة الاسلامية هي اقوى المرشحين للصدام بالحضارة الغربية ، وعلى الرغم من فشل موجات عديدة حاولت اجتياحه وتشويهه ومحو شخصيته المستقلة ، الا انها تركت بعض الشوائب التي يمكن تمييزها بوضوح بمجرد التمحيص في جذور هذا التراث واسسه .

ان الثقافة الاسلامية كانت دوما ثقافة قوامها الانفتاح على الثقافات الاخرى والتمازج مع الثقافات الاخرى وقد تجلى هذا في جميع فترات التاريخ العربي الاسلامي بعد الفتح . (1)

فقد اخذت الحضارة الاسلامية الكثير من حضارات الشعوب التي احتكت بها من خلال اقتباس الجيد والمفيد منها وبالمقابل اعطت من كنوزها التراثية الشيء الكثير ايضا ، لذا فالانفتاح الحضاري الان يجب ان يكون على درجة عالية من الوعي والادراك كي يحافظ على هوية هذا التراث ويمنعه من الانزلاق والذوبان التدريجي في نمط الحضارة الغربية ، وهنا لا بد من فحص (الامطار الغزيرة) لوسائل الاعلام الغربية قبل ان (نسقي بها اراضينا) فمعظمها لا يصلح لتربتنا ويصيب زرعنا بالامراض .

ان العولمة تسعى لخلق جيل بعيد عن تراثه وهويته وانتمائه ، جيل كوني تذهله التقنيات الحديثة وينقاد ورائها بعيداً عن أي ارتباط بارضه وتراثه ، لذا نرى وسائل الاعلام الغربية تمجد مقتنياتها الحضارية وتتغنى بما وصلت اليه من تطور (وهذا يعني ضمنياً) انها تحارب الحضارات الاخرى التي لم تصل الى مستواها الحضاري وتسعى الى ان يكون نمطها الحضاري نمطاً عالمياً دون منافس .

ان صورة المسلمين ستتشوه اكثر من أي وقت مضى من خلال الصورة النمطية الحالية والتي تحمل في جوهرها مضامين سلبية عن المسلمين تتمثل  كما يروج لها في الخلف والوحشية في حين ترسم صورة ايجابية للانسان الغربي مرتبطة بالتحضر والانسانية . (2)

وان الجيل الجديد الذي ينشأ لا يعرف عن تراثه بقدر ما يعرف عن اخبار الفنانين والرياضيين وابطال السينما وملكات الجمال والعاب الكومبيوتر والعنف ..الخ . ان السبب في ذلك ليس وسائل الاعلام الغربية فحسب بل وسائل اعلامنا التي تحاول ان تكون نسخة من وسائل الاعلام الغربية ولكن بلغة عربية ، والسبب الاخر يكمن في الفجوة بين الاباء والابناء من حيث التربية والتفكير ، فما يتبعه الاباء من اساليب تربوية مع ابنائهم هي نفس الاساليب التي اتبعها اباؤهم معهم قبل سنين طويلة ، مما يخلق فجوة بين الابناء وابائهم تجعل الابناء ينظرون الى تلك الاساليب على انها قاصرة او متخلفة ، لذلك يتبنون اساليب جديدة تعطيهم حرية اكبر ، وهنا يكون الاختيار اللاواعي والتقليد الاعمى وبذلك ينحرف هؤلاء الابناء تحت وطأة التغيير السريع الى الانزواء تحت ظلال العولمة ووسائلها .

اذن لا بد من مزاوجة ، مزاوجة بين ايجابيات العولمة والتراث ، أي نأخذ من العولمة ايجابياتها المتمثلة في الوسائل الحديثة والتطور البناء في بعض جوانب الحياة ، وكذلك الايجابية الاكبر للعولمة في انها نبهتنا الى ضرورة العودة الى تراثنا وهويتنا (والهوية هي الشيء الذي يميزنا عن الاخرين) ، اذن لابد لنا كي نتميز عن الاخرين ان نبرز هويتنا الحضارية وان نعود الى تراثنا وننقيه من الشوائب العالقة فيه ونبتعد عن اخذ القشور ونركز على الجوهر الايجابي ، وهذا لا يعني ان نعود ونتقوقع على انفسنا ونتغنى بالماضي ، بل لا بد من القيام بدراسة ماضينا وتراثنا الثقافي ، فالامة التي ليس لها ماضٍ لن يكون لها مستقبـل ، فمن الخطأ ان نترك الماضي على انه اندثر وراح انما ندرس التراث الثقافي دراسة نقدية ايجابية للافادة منه وتطوير هذه الجوانب الايجابية ونستغله في ايجاد نظريات جديدة .(3)

أي نستفاد من التطور الحاصل في وقتنا الحالي لدراسة ماضينا والانطلاق منه كقاعدة اساسية لبناء نموذج حضاري جديد يحمل نفس الهوية ويمتاز باستقلاله وتراثه العريق . ان أي تحديث لا يتم من خلال داخل التراث ومن خلال الانتظام فيه من اجل اتخاذه منطلقاً لتجديد ذلك التراث ، تحديث واهم ، ينقل منتجات الحضارة الحديثة ولا ينقل دفقة الابداع الثاوية وراءها التي هي نتيجة الالتحام العضوي الوجداني بين الانسان وثقافة امته .(4)

اذن فالعولمة لا تخرج عن كونها احدى افرازات التغير السريع في الجوانب المادية على حساب تغير ابطأ في الجوانب المعنوية ، وهي ظاهرة لا بد لها تضعف ثم تضمر وتزول لان المجتمعات بدأت تتصدى لها وتحاربها رغم عدم تكافؤ التوازن بين العولمة وبين تلك المجتمعات . اما تراثنا العربي الاسلامي فهو اكبر واقدر على مواجهة العولمة واحتوائها رغم شدتها وخطورتها ، فهي لا تقدر على صهره في الحضارة الكونية التي تسعى الى نشرها وهذا لا يعني ان نترك التراث وحده بهذه المواجهة ، بل لا بد من احتضانه والتزامه والاعتزاز به ، فكتبنا خزائنه واقلامنا روافده والسنتنا تنطق بلغته وعقولنا ثماره ، لذا لا بد من دفاعنا عنه فهو رمزنا وهويتنا التي تبقينا شامخين وسط الحضارات المختلفة .

الهوامش :

(1) عبد الله عبد الدائم ، مستقبل الثقافة العربية والتحديات التي تواجهها ، مجلة المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، العدد 260 ، 2000 ، ص40 .

(2) نصير بو علي ، البث التلفزيوني المباشر والحضارة القادمة ، مجلة الاذاعات العربية ، اتحاد اذاعات الدول العربية ، تونس ، العدد 4 ، 2000 ، ص14.

(3) لقاء مع الدكتور احمد ابو زيد ، مجلة العربي ، وزارة الاعلام ، الكويت ، العدد 475 ، ص74 .

(4) عبد الله عبد الدائم ، المصدر السابق ، ص47 .

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر