التنوع الديني والشخصية الواحدة

كتبهاwaad alameer ، في 29 كانون الأول 2005 الساعة: 14:00 م

بسم الله الرحمن الرحيم< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

التنوع الديني والشخصية الواحدة

على مر العصور شهدت (الموصل) العديد من الديانات ، ابتداءاً من الديانات الوثنية الى الديانات السماوية ، وكان الطابع الديني احد السمات المميزة لها طوال تلك الفترات من التاريخ ويتجلى ذلك من خلال انتشار بقايا معابد الديانات الوثنية والكنائس والجوامع والمراقد للديانات السماوية .

ولا بد من التأكيد هنا على ان الاستقرار النسبي الذي تتمتع به المدينة كان عامل جذب قوي لتوجه عدد من الطوائف الدينية الى هذه المدينة للاستقرار فيها ومحاولة التكيف مع اجوائها  الاجتماعية والذوبان في النسيج الاجتماعي للمدينة .

وقد يكون التنوع الديني الحالي في المدينة هو اعلى ما وصلت اليه المدينة من تنوع على مر تاريخها الطويل ، فهو يشمل العديد من الديانات والطوائف والملل التي تتوزع في وسط واطراف المدينة  وتمارس عقائدها وشرائعها بحرية تامة ، إذ يمكن ملاحظة ذلك في الاعياد والمناسبات الدينية لهذه الطوائف لا سيما في اطراف المدينة التي تتحول الى تجمعات كبيرة يشارك فيها احياناً اناس من طوائف اخرى .

ان كثرة المراقد الدينية ودور العبادة فيها جعلها مركزاً دينياً مهماً يأم اليه الناس من كل مكـان ، لذلك تعرضت هذه المدينة الى موجات من الهجرة اليها خلال فترات مختلفة من تاريخها ، ومن مختلف القوميات والاعراق .

وقد انعكس هذا الطابع الديني على المدينة وهيأتها الاجتماعية ، إذ يمكن ملاحظة الثنائية في اسواق المدينة فهناك اسواق تختص بالمستلزمات الرجالية واسواق تختص بالمستلزمات النسائية ، وهناك ضعف في الاختلاط بين الجنسين حتى على اعلى المستويات الثقافية (الجامعة) ، ووجود بعض القيود على خروج المرأة وعملها وتعليمها .

ان تعدد الاديان والقوميات لم يخلق مشاكل او اصطدامات بين الطوائف والملل الموجودة فيها بل على العكس خلق انسجماً رائعاً بينها وتفاهماً اجتماعياً قل نظيره في مجتمعات اخرى ، فلم يحفظ لنا التاريخ اخباراً عن حروب او فتن حصلت بين الطوائف والمذاهب الدينية في المدينـة ، لكن هذا لا يعني حدوث بعض الخلافات او المشاكل البسيطة التي فرضتها بعض الظروف ، وهو امر طبيعي ما دام انه لم يتطور الى مستوى النزاع المسلح .

ولا يخفى ان أي طائفة دينية او مذهب يشكل ثقافة فرعية (sub culture) داخل الثقافة الرئيسية (mean culture) ، فاما ان تحافظ هذه الثقافة الفرعية على كيانها وعاداتها وتقاليدها المستقلة او انها تذوب تدريجياً ضمن نسيج الثقافة الرئيسية او العامة ، لكن نلاحظ ان البناء الاجتماعي في المدينة خلق نمطاً مزيجياً مركباً من الشخصية تناغمت فيه العادات والتقاليد والقيم التي تحملها اجزاء هذا البناء ، فاخرجت نموذجاً يمكن ان نطلق عليه (الشخصية الموصلية) وليس (المصلاوية) التي تعني ابناء مجتمع الموصل الداخلي فقط ، هذا النمط او النموذج توحدت فيه عوامل عديدة تركت ظلالها عليه في توحد اللهجة الموصلية التي يتحدث بها اغلب ابناء الموصل ويفهمها كل من يسكنها بغض النظر عن انتمائهم الديني او العرقي ، كما يظهر التوحد في انماط السلوك التي يمارسها هذا النموذج ، ومن ابرزها (الالتزام الجدية النظافة الدقة الحرص) .

لقد تداخلت العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية لجميع الطوائف والمذاهب نتيجة المعايشة الطويلة والذوبان الاجتماعي ،  واقتبس احداها من الاخر ما يكمله ويقويه ويضيف اليه الجديد والمفيد ، وكان للتقارب الاجتماعي الناجم من الجيرة والاختلاط في السكن او العمل او الدراسة اثره على التقريب بين الاديان والمذاهب وتداخلها ووجود قيم ومبادئ مشتركة تجمع افراد المجتمع .

ان الفهم السليم للدين ومبادئه والالتزام الصحيح بتعاليمه جعل التقارب بين ابناء الطوائف والاديان اكثر سهولة وعمقاً ، فالمبادئ الدينية تلتقي في مجموعة من القيم والاخلاقيات التي تؤكد على السلام والمحبة والخير والانسانية (لا سيما في الديانات السماوية) التي تنبع من مصدر واحد ، هذا الالتزام السليم الواعي حفز ابناء الطوائف الى التقارب من بعضهم ، وقرب من وجهات نظرهم ودمجهم تدريجياً داخل المجتمع الكبير .

وعلى صعيد العادات والتقاليد الاجتماعية فقد انتقلت بين افراد المجتمع بغض النظر عن طوائفهم الدينية وخلفياتهم القومية والعرقية ، وافرزت مجموعة من العادات والقيم الاجتماعية العامة التي يتبعها كل المجتمع مع الاحتفاظ ببعض الخصوصية في مجال القيم الدينية وممارساتها ، ويمكن ملاحظة ذلك في تشابه بعض انماط التنشئة الاجتماعية داخل الاسر الموصلية وطريقة الاحتفال العامة في المناسبات وفي طريقة اللبس وبناء المساكن والتعاملات التجارية ، بل ان ابرز مظهر للتداخل في هذا المجال يتجلى في مفردات اللهجة الموصلية التي تتضمن العديد من الكلمات والمصطلحات المستعملة من قبل طوائف مختلفة من الاديان والقوميات  ، كما ان التراث الشعبي للمدينة والذي يتم نقله عبر الاسرة الى الاجيال الجديدة يحتوي قصص وامثال وحوادث شعبية متنوعة تشمل كل الطوائف والمذاهب الدينية التي تعيش في المدينة يتناقله الجميع دون تمييز لطائفة او مذهب على آخر .

ان نموذج (الشخصية الموصلية) الذي جمع ابناء هذه المدينة على اختلاف انتماءاتهم هو نموذج معروف في كافة المدن العراقية الاخرى ، إذ يمكن التعرف والاشارة اليه من خلال (التزامه وحرصه ونظافته وجديته) في اغلب الاعمال التي يمارسها ، ومن خلال اطلاق تسمية (المواصلة) او (المصالوة) كما يقال في بغداد .

ويمكن ملاحظة اعتزاز (المصلاوي) او الاصح (الموصلي) بهذه التسمية عندما يزور أي محافظة عراقية ، وتفضيله استعمالها بدل تسميته بـ(انتمائه) الديني او العرقي او القومي ، وفي هذا دليل آخر على انصهار وتوحد ابناء هذه المدينة العريقة في قالب واحد للشخصية احتوى كل التنوع والاختلاف الذي تشمله المدينة .

نتمنى ان يدوم (نموذج الشخصية الموصلية الواحدة) بعيداً عن أي انتماء (ديني او عرقي او قومي او حزبي) ولا يتأثر بالظروف المؤقتة التي يمر بها بلدنا العزيز ، وان يكون القاعدة الرئيسية التي يستند عليها نموذج (الشخصية العراقية الموحدة) الذي تجمعه (الوطنية) قبل الانتماءات الاخرى ، لان (الوطنية) هي الحل الوحيد والملاذ الآمن والخيمة الحصينة التي تجمع ابناء المجتمع على اختلاف انتماءاتهم ومرجعياتهم .

وهي السور الواقي الذي يصد أي فتنة (نجسة) تحاول الدخول الى مجتمعنا من الخارج ، او تطمسها وتمحوها اذا كانت من الداخل .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر